قاص من فلسطين كنت أتأمل الترتيبات ، بدءاً من المقصات والطعام وإبر التخدير ، وليس انتهاء بما يشبه السرير الحجري الذي أقيمت بالقرب منه شجرة نخيل من البلاستيك الصلب دون بلح حقيقي ودون سعف ذابلة أو ناشفة توحي بالسقوط لو جاءت ريح قوية بما يكفي لتحريك النخلة قليلاً كي تميل بشكل طبيعي غير مفتعل لتنسجم مع المشهد الذي يذكرك بحدائق الحيوان. لاحظ الطبيب المختص شرودي وحياديتي الساكنة المستسلمة للانتظار والترقب فأومأ وهو يخفف من كمية السائل في الحقنة بين يديه، أن الأمر سيكون لطيفاً وحضارياً رأفة به وبما يعانيه من آلام . ثم وقد اطمأن لعدم احتجاجي: ما فعله الشباب كان لا بد منه، فلم يبق غيره وظروفه الصحية سيئة للغاية، هنا ستكون الحياة أقل صعوبة له وأكثر رحمة ، الصحراء قاسية والجو مغبر وقد راقبوه تائهاً بعيون محمرة إذ يبدو أنه لم يذق طعم النوم منذ فترة طويلة ولا لقي العناية الكافية- ظل يتحدث الطبيب- وأنا منصت لا ألوي علي شيء مما شجعه لأن يواصل حديثه وقد شرع يستبدل حقنة بأخري دون أن أسأله عن مبرر تجهيز نحو ست حقن في آن واحد مختلفة الأحجام ولون السائل بداخلها فقال: العلم تقدم يا أستاذ، فإذا كان جسده لا يحتمل هذه الحقنة فإن هنالك حقنات أخف، لكنني كما تري أخشي من ردة فعله فقد يأتي بحركة ما قاتلة بالنسبة لنا جميعاً، ربما ظل الطبيب يتكلم لفترة أطول من قدرتي علي التركيز علي ما يثرثر به، لكنني وقد مضيت بعيداً أتخيل كيف يقومون الآن بمطاردته، وكيف يقاوم وكيف يهرب، بل كيف يتحدي ويتعثر أو يكبو أو يزمجر ويهاجم ولو تكتيكياً وقد أعيته الصحراء بعرائها المكشوف حيث لا غابات ولا أنهار ولا كهوف ولا جبال وعرة ولا وديان سحيقة بل بسيطة ممتدة وصحراء من كل الجهات حوله من أمامه من خلفه ومن اليمين واليسار، بل ربما أطبق الأفق الآن عليه وهم يطاردونه بسياراتهم المجهزة بالسهام والرماح وإبر التخدير، يطاردون علي مهل وتروٍ آخر من تبقي منهم ذلك غير آبه لمصيره دون صحاب دون مؤنس لوحدته في هذه الساعات التي تكاد تلفظ أنفاسها وثوانيها كأنما الوقت يبكي والعقارب تتقارب خجلة من عدم توقفها دقيقة حداد عليه . ربما كان الطبيب ما زال يثرثر ويتحدث عن خبراته العلمية ومطالعاته في علوم التدجين وقد بدت بعض أدوات ومباضع الجراحة أكثر صلافة مما كنت أظن وأنا أتخيل دون كيشوت علي شكل نمر اجتثت غابته فيتكشف للجميع دون بيت أو مأوي فإذا كان لدون كيشوت ثمة صاحب يسير معه طائعاً محباً مضحياً لقائده العظيم فإنه الآن وحيد يطارده الصيادون من كل جانب ويرسمون الخطط بدهاء لإيقاعه في الفخ، ويناورون ويصرخون ويتبادلون المهمات ويبدلون المواقع كي تكلل جهودهم ومغامراتهم تلك بالنجاح، كيف لا ولم يبق اليوم غيره ؟ إنه آخرهم ، ربما ، كان أجملهم بل ، ربما كان أقواهم علي الصمود والتحدي ، لكن أين سيتجه وكل صحراء وراءها صحراء خلف الصحراء أيضاً صحراء وما وراء آخر صحراء سراب من كل الجهات سرعان ما ينقشع عن لاندروفر يخب في الرمال ويثير من ورائه غلالات الغبار و رشقات الرمل تطرقع في معدن يحيط بالعجلات العريضة الضخمة ، في حين أنه الآن يتمترس متحدياً أو يقفز أو ربما يحفر الأرض بقدميه أو برجليه وبيديه اللتين أظنه الآن يتمناهما جناحي طائر شرس سيحلق عالياً لينقض علي وجوههم بمخالبه وأظافره وبعينيه الصقريتين، كنت ساهماً مستغرقاً في المشهد لولا أنهم وقفوا في الباب بلباس الكاوبوي المستحدث لمثل هذا اليوم ولمثل هذه الساعات والدقائق عندما وجدتهم يتضاحكون دونما رحمة أو رأفة يتناولون المقصات والطبيب إذ فَهِمَ أن مهمته حانت يرتدي قفازاته السميكة ويتبعهم نحو كائن شبه مخدر علي قيد وعي قديم ..قديم بأنه قبل ساعات فقط كان نمراً ومغبراً وتائهاً حيث لم يعد في الفضاء سوي العثرة تلو الكثبان تلو العثرة الثانية وهكذا من نهوض إلي إعياء ومن إعياء إلي تمرد ومن ثم هروب ولكن: أين.. أين ولا يرد علي صرخاته سوي سهم يستقر في صدره يجعله يخور يترنح قبل أن يتهاوي يتخدر قبل أن يأتوه بالمقصات يقلمون له أظافره قبل أن يجتثوا شعره كبرياءه قبل أن يدخلوه القفص ذلك النمر الذي ربما ردد كما ردد علي بن محمد في القرن التاسع الميلادي قائلاً: "سلام الله عليك يا خير منزل خرجنا وخلفناه غير ذميم فإن تكن الأيام أحدثن فرقة فمن ذا الذي من ريبـــــــهن سليم ؟" فإن تكن السهام أحدثن غفوة فمن ذا الذي من غدرهن سليم وهكذا تنادي الشعر والثائرون الذين ما انكسروا يوماً وتنادت الأهوار وبحر هائج ولفحة هواء مرت بملامح الموتي حملت معها آخر تنهيدة لرجل فقد حياته للتو، وتنادت ملائكة وراءها عسس مخبرون تنادت الشجرة التي بكت عندما سمعته يعوي في البرية ولا من مستجيب لآخر وأجمل عواء في أرض كانت يوماً ما غابته في بلد كان كل ما فيه أسود، وتناهت الساعات والأجراس مثل كاكات دجاجات منتفخات بالبيض وضاعت أظافر النمر التي شرعت المقصات والأيدي تقلمها كي يتأقلم وتدجنه قبل أن يتدجن ويفتحون له القفص كي يدخل فلا يدخل.. أجل ، لا زلت أذكر كيف أدخلوه إلي القفص ودمعة تنحدر من عينيه المفعمتين يأساً وحزنا ًوانكساراً ، لكن الطبيب لم يفرح كثيراً ولا الصيادون ، فقد حاولوا إيقاظه فيما بعد وحاولوا حقنه بإبرة مزيلة للتخدير منشطة لجسده ووعيه لكنه منذ دخل القفص مات.. مات ثانية وثالثة دون أن يذكره أحد وكان واحداً وأحد لم ير في زماننا له أماً ولا ولدا ، وكان نمراً وكان البلد ، لكأنما وأنا صامت أسلمني روحه وأناخ الجسد.
Azzaman International Newspaper - Issue 2571 - Date 16/12/2006
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 1725 - التاريخ 61/12/2006